قصه خيوط النجاه
عنوان القصة خيوط النجاة
بدأت الحكاية في ظهيرة خريفية ساكنة حين وقفت أمام نافذة المطبخ أراقب انكسار الضوء على الزجاج وكان قلبي يختنق بصمت ثقيل كأن شيئا داخلي انكسر ولم يعد يجيد الالتئام. يومها دخلت أمي الغرفة بخطوات واثقة وعيونها تلمع بنور لا يشبه سواها. جلست على الكرسي المقابل لي وضعت كفها على يدي وقالت بهدوء عجيب
هل انتهى الأمر يا ليلى
أجبتها بصوت مبحوح كمن خرج لتوه من غرق طويل
نعم يا أمي... انتهى.
لم تبد دهشة ولم تكثر من الأسئلة كما يفعل الآخرون بل وقفت فجأة التقطت حقيبتها الصغيرة وخرجت من البيت دون كلمة واحدة. لم أفهم ما تفعل ولم أملك رغبة في الفهم فقد كنت غارقة في ۏجعي حتى النخاع. بعد ساعة أو أكثر سمعت باب المنزل يفتح مجددا ودخلت أمي تحمل أكياسا مملوءة بالخيوط الملونة وألوانها كأنها أجزاء من قوس قزح. وضعتها على الطاولة وقالت بابتسامة حازمة تشبه قرارات الملوك
من الأفضل أن نبدأ العمل فورا.
لم أسألها عن معنى ذلك ولم أجادلها. كانت تملك تلك السلطة الهادئة التي لا تحتاج إلى شرح. جلست على كرسيها الخشبي أخرجت إبرة الكروشيه التي رافقتها منذ شبابها وبدأت العمل. كانت أول غرزة تنسجها تشبه بداية شفاء خفي خيطا بعد خيط عقدة بعد عقدة وكأنها تعيد ترتيب أنفاسي التي تكسرت منذ يوم سمعت كلمة طلاق.
مضت الأيام بطيئة كأنها تسير على أطرافها. كنت أراقب أمي من مكاني كيف تحني رأسها فوق الغرز وكيف تتحرك أصابعها في صمت عجيب بينما ينساب الضوء على شعرها الفضي فيجعله أشبه بلهب هادئ. لم تكن تسألني شيئا عن زوجي السابق ولا عن الوعود التي تبعثرت. كانت تعرف أن بعض الألم لا يشفى بالكلمات بل بالفعل بالفعل وحده.
كنت أستيقظ أحيانا على صوت الإبرة وهي تطرق الخيوط طرقا خفيفا يشبه الهمس. وحين كنت أبكي بصمت في الليل كانت ترفع رأسها وتنظر إلي لا لتواسيني بل لتذكرني دون كلام أنني ما زلت هنا وأن علي أن أتنفس فقط أن أتنفس.
مرت الشهور الأولى ثقيلة وكأنها تتآمر علي. في كل مرة كنا نضيف مربعا جديدا للغطاء كانت تختار لونا يعبر عن حالتي دون أن أقول شيئا. المربعات الزرقاء كانت أيام المحاكم والجلسات الطويلة التي خرجت منها منهكة الروح. أما المربعات الحمراء الداكنة فكانت لأيام الڠضب حين رأيته يضحك في مقهى مع امرأة أصغر سنا تضع يديها في يديه كما كنت أفعل أنا ذات يوم. كنت أعود حينها إلى البيت كالعاصفة وأمي تنتظرني لا تعاتب لا تسأل بل تمد يدها إلى سلة الخيوط وتختار اللون الأحمر القاني وتبدأ غرزة جديدة بصمت صبور.
وفي يوم ماطر حين رأيت طفلي ينام بسلام في حضڼي بعد معركة الحضانة الطويلة مدت
إلي المربع الأصفر الأول وقالت مبتسمة
هذا اللون لأيامك القادمة يا ليلى الأيام التي ستضحكين فيها مجددا.
ضحكت يومها للمرة الأولى منذ شهور طويلة ضحكة حقيقية خرجت من قلبي لا من واجب المجاملة. ومنذ ذلك اليوم بدأت أشاركها العمل. كانت تعلمني كيف أمسك الإبرة وكيف أضبط شد الخيط وكيف أصبر على كل غرزة حتى تكتمل. وكأنها كانت تعلمني من جديد كيف أتعامل مع الحياة نفسها.
مرت الأيام وصار الغطاء يكبر يمتد على الطاولة يتلون بكل ما مر بي من مشاعر. كل زهرة فيه كانت ذكرى وكل مربع كان قصة. حاولت يوما أن أعدها فوجدتها مئتين وسبعا وأربعين زهرة. مئتان وسبع وأربعون يوما جلست فيها أمي بجانبي دون أن تمل تخيطني من الداخل وأنا أظن أنني ضائعة إلى الأبد.
وفي يوم من الأيام حين انتهينا من آخر غرزة فردت أمي الغطاء على الأريكة في شقتي الجديدة التي استأجرتها بجهدي وقالت وهي تبتسم تلك الابتسامة التي تنبت الأمل من تحت الركام
كل زهرة هنا يا ليلى هي يوم تجاوزته ويوم انتصرت فيه على الألم.
نظرت إلى الغطاء طويلا شعرت أنه ليس مجرد نسيج من خيوط وألوان بل تاريخ كامل سجل صامت لكل دمعة ولكل تنهيدة. وقلت لها متأثرة
أمي... لا أظنني كنت سأنجو لولاك.
وضعت يدها على رأسي وقالت بهدوء
الأمهات لا ينقذن بناتهن بالكلام بل بالصبر وبالحب الذي لا يشيخ.
ثم ضحكت وهي تلتقط خيطا برتقاليا جديدا وتقول بمكر طفولي جميل
أما هذا يا ابنتي فهو من أجل مغامراتك القادمة لأن الحياة لا تنتهي عند باب أغلق بل تبدأ عند باب تفتحه بنفسك.
ومنذ ذلك اليوم صار الغطاء رفيقي الدائم. كلما شعرت بالوحدة مررت أصابعي على تلك المربعات وكأنني ألمس أيامي الماضية بسلام لا يشبه شيئا. كنت أستشعر في كل غرزة نبض أمي وصبرها وحكمتها التي نسجتني من جديد كما نسجت الغطاء نفسه.
في إحدى الليالي وبينما كنت أطوي الغطاء بعناية سمعت أمي تقول من غرفتها بصوت خاڤت
يا ليلى لا تنسي أن الحياة كالكروشيه تبنى عقدة فوق عقدة وكل عقدة لا تحل إلا بالصبر.
ابتسمت وأنا أجيبها من بعيد
وأنت يا أمي العقدة الجميلة التي ربطت قلبي بالحياة.
مرت سنتان الآن والغطاء ما زال على سريري يحتضنني حين يغيب عني الدفء يذكرني أن الإنسان يمكن أن يولد من جديد حتى بعد الانكسار وأن الحب الصامت يمكنه أن يكون أعظم من ألف كلمة منمقة.
لم تكن أمي في يوم من الأيام امرأة كثيرة الكلام لكنها كانت تعرف كيف تعيد بناء العالم بإبرة صغيرة وخيط ملون وكيف تجعل من قلب ابنتها حديقة من الصبر.
يا قارئي العزيز إن مررت پانكسار يشبه ما مرت به ليلى فتذكر أن لكل غرز الحياة يدا خفية تعيد ترتيب خيوطك حين تتشابك قد تكون تلك اليد
أمك أو صديقا صادقا أو حتى نفسك حين تؤمن أنك تستحق أن تكمل الطريق. لا تستعجل الشفاء فكل خيط يحتاج إلى وقت لينسج وكل ألم له لونه في غطاء حياتك.