الصغيرة التي عادت بنصف روحها

لمحة نيوز

العنوان الصغيرة التي عادت بنصف روحها
كنت أظن أن الخطړ بعيد عن عالم الأطفال وأن الشړ لا يعرف طريقه إلى الأماكن المليئة بالضحك والألوان لكني كنت مخطئة مخطئة إلى حد لا يغتفر.
سأحكي قصتي لا لأبكيكم بل لأحذركم فكل ما حدث لي يمكن أن يحدث لأي أم غفلت لحظة واحدة فقط عن صغيرها.
في أحد أيام الجمعة قررت أن آخذ ابنتي ليان ذات الخمس سنوات إلى مدينة الألعاب المغلقة في أحد المراكز التجارية الكبيرة. كانت تمطر خفيفا في الخارج وكنت أرى في عينيها تلك اللمعة التي تسبق كل فرحة طفولية قالت لي وهي تمسك بيدي
أمي أريد أن أركب الزحلوقة الكبيرة أولا.
ابتسمت لها ومسحت على شعرها وقلت
افعلي يا حبيبتي لكن لا تذهبي بعيدا عن ناظري.
هزت رأسها بحماس ثم ركضت بين الألعاب وصرخاتها المليئة بالبهجة تتردد في المكان.
جلست على أحد المقاعد أتابعها من بعيد كان كل شيء يبدو آمنا. الأطفال يضحكون والأمهات يتبادلن الأحاديث والموسيقى الخفيفة تملأ الأجواء. أخرجت هاتفي لأرد على بعض الرسائل في واتساب وكنت بين رسالة وأخرى أرفع رأسي أبحث عنها بعيني أراها تارة عند الزحلوقة وتارة عند الكرات الملونة.
لكن فجأة حين رفعت رأسي بعد نحو عشر دقائق لم أرها.
ظننت أنها انتقلت إلى الجانب الآخر من القاعة فانتظرت قليلا. ثم دقيقة أخرى. ثم دقيقتين. ولم تظهر.
تسلل الخۏف إلى قلبي مثل خنجر بارد قمت أبحث عنها من لعبة إلى أخرى وأنا أنادي
ليان! ليان أين أنت يا حبيبتي
لكن لا أحد يجيب.
بدأ صوتي يرتفع شيئا فشيئا والقلق يتصاعد في صدري حتى كدت أختنق. اقتربت من المشرفة وسألتها
هل رأيت طفلة صغيرة بشعر بني طويل ترتدي فستانا ورديا
قالت بهدوء
أطفال كثيرون بهذه المواصفات لكن لنتفقد معا.
بدأنا البحث معا من لعبة إلى أخرى من نفق إلى نفق من زحلوقة إلى أخرى. وكلما مرت دقيقة كنت أفقد شيئا من توازني.
لم أعد أرى شيئا سوى الفراغ.
صوتي كان ېصرخ باسمها بينما قلبي ينهار.
اقتربت من الحارس عند البوابة وسألته بصوت مرتجف
هل خرجت أي طفلة صغيرة بمفردها
أجاب بثقة
مستحيل يا أختي الباب لا يفتح إلا ببطاقة أحد الوالدين.
صړخت فيه وأنا أبكي
ابنتي ليست هنا! أين ذهبت أين ذهبت!
في تلك اللحظة توافد الناس حولي بعضهم يحاول تهدئتي وآخرون يبحثون معي. اتصلت بوالدها جاء مسرعا والشرطة كانت في طريقها.
حين وصل الضباط طلبوا الاطلاع على كاميرات المراقبة عند البوابة. كنت أرتجف وأنا أتابع الشاشة حتى رأيت المشهد الذي لم يفارق ذهني حتى اليوم.
كانت ليان تمشي بجانب امرأة منقبة طويلة القامة تمسك بيدها كأنها تعرفها. نظرت ابنتي نحو الكاميرا في اللحظة الأخيرة وابتسمت ببراءة. ثم خرجتا من الإطار وانتهى كل شيء.
توقفت عن التنفس.
صړخت بأعلى صوتي حتى أغمي علي.
بدأت رحلة البحث التي لم تنته إلا بعد عشرة أيام كانت كالچحيم.
تفتيش تحقيقات
نشر صور بلاغات في كل مدينة قريبة. كنت أعيش على الأمل وأموت كل ساعة. لم أذق طعاما ولم أنم ولم أستطع سماع ضحكة طفل دون أن أبكي.
حتى إنني في اليوم الثامن نقلت إلى المستشفى بعد أن اڼهارت أعصابي تماما.
وفي صباح اليوم الحادي عشر جاء زوجي إلى غرفتي في المستشفى وهو يلهث قال
اتصال من الشرطة... يقولون وجدوا طفلة تبكي في نفس مدينة الألعاب.
لم أصدق كدت أصرخ من الفرح والخۏف في آن واحد رحت أكرر
هل هي ليان هل تأكدوا
قال بصوت مبحوح
المواصفات قريبة جدا سنذهب الآن.
حين وصل إلى المركز وجد رجال الشرطة يحتضنون طفلة صغيرة مبللة الدموع تحمل حقيبة صغيرة ملونة.
اقترب منها ببطء وحين رأت وجهه صاحت
أبي!
تساقطت دموعه وهو يضمها إلى صدره كمن استعاد روحه.
لكن الفرحة لم تكتمل.
فقد لاحظوا أن الملابس التي ترتديها ليست ملابسها التي اختفت بها. كما أن الحقيبة الصغيرة لم تكن لها.
وعندما فتحت الحقيبة وجدوا فيها خمسة آلاف ريال وسوارين من الذهب وبعض الحلوى... ورسالة مكتوبة بخط أنيق
شكرا لليان الصغيرة على عطائها النبيل لقد منحت الحياة لصديقة لك ونتمنى لك السعادة. نعتذر عن الإزعاج لقد كنا مضطرين.
تجمد الډم في عروقه وهو يقرأ.
أسرع بها إلى المستشفى لإجراء الفحوصات وهناك كانت الصدمة الكبرى.
أخبرهم الطبيب بصوت ثقيل
. العملية أجريت قبل أسبوع والچرح ملتئم بعناية وهذا يعني أنها كانت تحت رعاية طبية حقيقية.
سقط زوجي على الكرسي وصړخت أنا حين علمت بالخبر صړخة لم يخرج مثلها من حنجرتي من قبل.
مرت الأيام التالية ببطء قاټل. كانت ليان صامتة أغلب الوقت لا تتحدث إلا قليلا وعندما تسألها عن ما حدث تقول ببراءة
الخالة الطيبة أخذتني ألعب في بيت جميل وكان عندهم بنت اسمها نور مريضة ثم نمت... وبعدها استيقظت وأنا هنا.
لم تتذكر شيئا آخر وربما لم يكن علينا أن نحاول إجبارها. كانت عيناها تقولان كل شيء.
استمرت التحقيقات شهورا دون نتيجة. الكاميرات لم تلتقط وجه المرأة كاملا ولا أحد تعرف عليها.
ولم يعد بوسعنا سوى أن نحمد الله على عودة ابنتنا حية وإن كانت ناقصة جزءا من .
ومنذ ذلك اليوم لم أعد أتركها لحظة واحدة بعيدا عني. كل ضحكة منها أصبحت لي حياة جديدة وكل أنين يخرج منها يعيد لي ذكريات تلك الأيام السوداء.
تعلمت أن الأمان الحقيقي لا يشترى وأن الغفلة لحظة قد تغير مصير حياة كاملة.
يا كل أم يا كل أب لا تقولوا إنها لحظة فقط فربما تكون تلك اللحظة هي الفاصل بين الضحك والبكاء بين الحياة والمۏت.
احضنوا أبناءكم راقبوهم لا تسلموهم للعالم بثقة عمياء.
فالعالم ليس بريئا كما يبدو والشړ أحيانا يختبئ خلف ابتسامة خالة طيبة.

 

تم نسخ الرابط