أول يوم العيد الزوج القاسي

لمحة نيوز


بوجع وقهر سنين.
الضابط زعق في أمين الشرطة اطلب الإسعاف فوراً يا ابني! ولف لأحمد اللي كان واقف وراة ووشه جايب ألوان، وقال بلهجة حاسمة بقى ده البلاغ الكاذب يا روح أمك؟ فتش بطن مراتها اللي لسة عاملة عملية؟ هاتوه!
حماتي قعدت تصوت وتلطم يا مصيبتي! يا خراب بيتك يا ابني! دي بتتمارض يا باشا والله دي كدابة! لكن الضابط مسمعلهاش، وأمين الشرطة كلبش إيد أحمد وراه.
أحمد وهو بيتسحب من قفاه قدام أمه وأخواته وبقية الجيران اللي اتلموا على السلم، بصلي نظرة أخيرة كلها انكسار ورعب، لأول مرة أشوفه ضعيف وذليل. أنا حسيت بروحى بترجعلي رغم الألم، الإسعاف وصلت وشالوني على النقالة، وأنا خارجة من باب الشقة، بصيت للسما وقولت من كل قلبي الحمد لله.. ربنا منتقمش مني.. ربنا نصرني في يوم العيد.
انجي الخطيب 
.......... 
في عربية الإسعاف، كنت سامعة صوت السارينة وهي بتشق سكون شوارع أول يوم العيد. المسعف كان عمال يغير الشاش بسرعة ووشه قلقان، ومركبلي ماسك أكسجين ومحاليل، وأنا باصة للسقف ودموعي بتنزل في صمت. مكنتش خايفة، بالعكس، لأول مرة من سنين أحس بنوع من الراحة، كأن الوجع اللي في جنبي بيمسح وجع قلبي وكسرتي.
أول ما وصلنا المستشفى، الدنيا اتقلبت. دكاترة وممرضين جريوا بيا على الأوضة، والكل كان بيبص لوشي المتبهدل وجرحي المفتوح بنظرات كلها صدمة وعطف. دكتور الطوارئ زعق بغضب وهو بيكشف عليا مين اللي عمل فيها كدا؟ دي لسة عاملة عملية من أسبوع! الجرح اتفتح والنزيف داخلي وخارجي، جهزوا العمليات فوراً لإعادة استكشاف وخياطة!
قبل ما يدخلوني العمليات، جه الضابط اللي أنقذني ومعاه دفتر، وطي عليا وبكل ذوق واحترام قالي يا مدام، أنا محتاج أسمع أقوالك رسمياً عشان أثبت الواقعة في المحضر، جوزك محبوس في القسم دلوقتي والنيابة مستنية التقرير الطبي.
بصيت للضابط وجمعت كل قوتي وقولتله أحمد كان هيموتني يا فندم.. ضربني بالرجل في مكان العملية وأنا ببوس رجله عشان يرحمني، ومكنش عايز يلحقني ويسيبني أنزف لحد ما أموت. الضابط هز رأسه وعينه كلها غضب وقالي حقك هيجيلك، ارتاحي أنتِ دلوقتي وسبيلي الباقي.
غيبت عن الوعي تحت تأثير البنج، وفقت بعد كام ساعة في أوضة نظيفة وهادية. أول ما فتحت عيني، لاقيت ممرضة قاعدة جمبي، ابتسمت وقالتلي حمد الله على السلامة، الدكتور طمننا الجرح اتخيط والنزيف وقف وأنتِ بقيتي أحسن، والشرطة برة مأمنة المكان ومحدش هيقدر يقربلك.
بعد يومين في المستشفى، لاقيت محامي متبرع جالي من طرف جمعية لحقوق المرأة بعد ما قصتي اتعرفت، ودخل ومعاه ورق وقالي بابتسامة ثقة حمد الله على السلامة يا مدام، أحب أطمنك، تقرير الطب الشرعي طلع و أثبت العاهة والكسور والجرح القطعي، والنيابة أمرت بتجديد حبس جوزك ١٥ يوم على ذمة التحقيق بتهمة الشروع في قتل وعاهة مستديمة، وأهله ملوش عين يظهروا بعد ما الفضيحة بقت بجلاجل في المنطقة.
أنا سكت ثانية، وبصيت من شباك الأوضة على الشمس اللي كانت طالعة تنور الدنيا، وحسيت إن ربنا طبطب على قلبي اليتيم وعوضني، قولت للمحامي بكل حسم وقوة عمري ما حسيت بيهم قبل كدا أنا مش هتنازل يا متر.. أنا عايزة أرفع قضايا طلاق للضرر، ونفقة، وبدد منقولات، أنا هعلم الصنف ده إن الست اليتيمة مش ملطشة، وإن اللي ملهاش ضهر، ربنا هو ضهرها وسندها.
.......... 
ومرت الشهور، وخرجت من المستشفى وأنا واحدة تانية خالص، جرح بطني لمّ وساب علامة، بس الجرح اللي جوايا اتحول لقوة متهزهاش ريح. أحمد حاول بكل الطرق يبعتلي ناس، وأمه اللي كانت بتتبلى عليا بعتتلي حريم من المنطقة يبوسوا على إيدي عشان أتنازل وقالت إحنا مستعدين نكتبلك الشقة باسمك بس متخربيش بيت ابني ومستقبله يضيع في السجن.
بصيتلهم بكل برود وقولت كلمتين اتنين هو مأعملش حساب مستقبلي وأنا ببوس رجله؟ القانون ياخد مجراه.
وفي يوم الجلسة النطق بالحكم، كنت واقفة في المحكمة، لافّة طرحتي وراسمة على وشي عزة نفس عمري ما عيشتها معاه. أحمد دخل القفص وهدومه متبهدلة، دبلان، وعينه مكسورة في الأرض، أول ما شافني حاول ينده عليا بصوت يملأه الرجاء سامحيني يا منى.. أنا اتعميت، سامحيني عشان خاطر ربنا!
أنا مبصيتلوش حتى، كنت باصة لمنصة القضاء وأنا كلي ثقة. القاضي مسك الورق، ونطق بالحكم اللي ريح قلبي المقهور حكمت المحكمة حضورياً على المتهم أحمد... بالسجن المشدد لمدة خمس سنوات مع الشغل والنفاذ، وإلزامه بالمصاريف الجنائية، وفي نفس اليوم المحامي بتاعي خلصلي حكم الطلاق للضرر وأخدت كل حقوقي تالت ومتلت بالقانون.
خرجت من باب المحكمة، الهوا كان نضيف ونقّي وكأني أول مرة أتنفس في حياتي. ركبت عربيتي اللي جيبتها من فلوس مؤخري وقائمتي، وبصيت للسما وابتسمت وعيني دمعت دموع فرحة ونصر.. كنت يتيمة ومفتكرة إني ماليش ضهر، بس اتعلمت إن الست لما بتفوض أمرها لربنا، بيبقى هو ضهرها وسندها، والكسرة اللي مبتموتش.. بتصنع ست حديد مبترحمش اللي جه عليها.
تمت
حكايات انجى الخطيب

 

تم نسخ الرابط