صدي الكلمة
لم تلق ربى بالا للحديث لكن بعد أيام قليلة بدأت أمور غريبة تحدث حولها.
كانت صديقتها المقربة ليلى تملك أخا صغيرا مريضا بالقلب وكان الأطباء قد أخبروا الأسرة أن حالته تتطلب عملية مكلفة في الخارج وهو أمر يفوق قدرتهم. لطالما كانت ربى تدعو في سرها أن يشفى ذلك الطفل وتقول في نفسها ليتني أملك ما أنقذه به.
وفي صباح مفاجئ اتصلت ليلى تبكي من الفرح قائلة
ربى لن تصدقي! ظهر متبرع غامض تكفل بعلاج أخي كاملا بل والمستشفى وافقت أن تسافر العائلة كلها معه إلى الخارج!
فرحت ربى بحرارة شديدة وشاركتها البكاء من شدة السعادة. لكنها حين أغلقت الهاتف أحست بارتعاشة غريبة تمر في جسدها كأن قلبها تذكر شيئا كان مدفونا في أعماقه.
في اليوم التالي فازت ليلى بجائزة أدبية كبرى في مسابقة المدرسة وكانت مقالتها تشيد بالأمل والتفاؤل وقد نشرت في صحيفة مشهورة بفضل أحد الكتاب الكبار الذي قرأها صدفة وقرر تبني موهبتها.
جلست ربى وحدها تقلب صفحات الجريدة وعيناها تتوقفان عند اسم ليلى ثم تتذكر أحلامها القديمة بأن تصبح كاتبة يوما ما. كانت هي من تشجع ليلى دائما على الكتابة وهي التي كانت تراجع مقالاتها وتصوب أخطاءها. ابتسمت في مرارة وقالت لنفسها
لعلها الصدفة نعم مجرد صدفة.
لكن الصدف كانت تتكرر بسرعة تجعل القلب يضيق بها.
بعد أسابيع زار فريق من جمعية خيرية حيهم لاختيار منازل فقيرة لترميمها. كانت أمنية ربى الدائمة أن تنتقل أسرتها إلى بيت أوسع إذ كانت غرفتها الصغيرة بالكاد تكفي مكتبها وكتبه. أما بيت ليلى فكان أقدم وأكثر ضيقا من بيتهم. وحين أعلنت الجمعية أسماء البيوت المختارة جاء اسم
عائلة ليلى أولا.
في ذلك المساء جلست ربى على سريرها تحدق في سقف الغرفة وتستعيد كلمات العجوز
ثلاث أمنيات تتحقق لغيرك.
شعرت بوخزة في صدرها مزيج من الغيرة والندم والحيرة.
قالت لنفسها بصوت خاڤت
أكنت سببا في سعادة غيري أم في حرماني أنا
مرت الأيام وكلما رأت ليلى سعيدة وسط عائلتها يختلط في قلبها الفرح بالحزن. كانت تحب صديقتها بصدق لكنها لم تستطع أن تتجاهل شعور الخسارة الذي يطاردها في الظل.
وفي ليلة ساكنة من ليالي الشتاء كانت السماء تمطر خفيفا والريح تهز النوافذ القديمة قررت ربى أن تمر من الشارع ذاته الذي التقت فيه العجوز كأن شيئا في داخلها يدفعها للعودة إلى البداية.
كانت الأنوار خاڤتة والشارع شبه خال. وفجأة رأت تحت عمود يتلألأ ضوءه الضعيف امرأة واقفة تضع على رأسها وشاحا رماديا. اقتربت منها بخطوات مترددة حتى تأكدت أن الوجه هو نفسه.
توقف قلبها لحظة ثم قالت
أنت! أنا أبحث عنك منذ أسابيع.
رفعت العجوز رأسها وقالت بهدوء
كنت أعلم أنك ستعودين.
اقتربت ربى أكثر وقالت بعينين دامعتين
لماذا فعلت بي هذا لماذا تمنحين أمنياتي لغيري لقد ساعدتك حقا ولم أكن أريد شيئا في المقابل.
قالت العجوز بصوت ناعم يحمل حكمة غامضة
يا ابنتي لم أعاقبك بل علمتك. الكلمة التي ټجرح تبطل أثر العمل الطيب كما تبطل الڼار الزرع إن اقتربت منه.
قالت ربى
كنت صغيرة لم أقصد أذيتك.
أجابت العجوز
النية وحدها لا تكفي إن كان اللسان حرا يطعن. لقد خلقت شرخا في نفسي بتلك الكلمة فكان لابد أن تشعري بما يتركه اللسان حين يجرح.
سكتت لحظة ثم أضافت بنبرة رقيقة كالأم
لكنك تعلمت الآن وهذا أهم من كل أمنية. الكلمة الطيبة قد تنبت وردا في قلب يابس ومن يزرع الورد لا يحتاج إلى المعجزات.
ذرفت ربى دمعة حارة وهمست
سأحاول أن أكون أفضل أعدك بذلك.
ابتسمت العجوز وتلاشى جسدها في الظلام شيئا فشيئا كأنها لم تكن سوى نسمة عبرت المكان.
وقفت ربى طويلا في الشارع تستنشق المطر وتفكر. شعرت لأول مرة أن الهواء أخف وأن في قلبها سلاما لم تعرفه من قبل.
عادت إلى بيتها بخطوات هادئة ووقفت أمام المرآة تتأمل وجهها وقالت في سرها
الجمال الحقيقي ليس في الملامح بل في ما نقوله للناس. الكلمة الطيبة قد تشفي چرحا لا يراه أحد.
ومنذ ذلك اليوم تغيرت ربى. صارت تختار كلماتها كما يختار الرسام ألوانه بعناية وصارت ابتسامتها لا تخفي سخرية بل صدقا حقيقيا. وكلما سمعت أحدهم يتحدث بغلظة عن غيره تهمس لنفسها
ما يقال لا ينسى فليكن ما يقال جميلا.
احذر من الكلمات فهي كالسهم إن خرج من فمك لا يعود وقد ټجرح روحا لا تلتئم. لا تقلل من شأن كلمة عابرة فربما تبني بها قلبا أو تهدم به إنسانا. فاجعل لسانك ربيعا لا شوكا
لأن ما يقال لا ينسى.