ابويا مسكتي بكل قوته
تحمى طفلها تصبح أقوى من الجبال.
الجزء الخامس السلام الذي اشتريته بثمن باهظ
مرت الأشهر. ابتعدتُ عنهم تماماً كما اتفقنا. لم أعد أذهب لزيارتهم، ولم أسمح لياسين بالذهاب بمفرده. اتصلوا بي مرات عديدة، أرسلوا رسائل، ومرّوا على بيتي مرة يطلبون رؤية ياسين. وافقت أحياناً، بوجودي، ولوقت قصير، لكنني كنت دائماً في حالة تأهب. لم يعد هناك ثقة.. والثقة إذا انكسرت لا
تُصلحها الأيام ولا الكلمات.
ياسين تحسن تدريجياً. آثار الضړب اختفت من جسده، لكن أثرها على نفسه استغرق وقتاً أطول. كان ېخاف من الصړاخ، يرتجف حين يرى يد أحدهم مرفوعة، ويصمت فجأة إذا دخلنا في مكان مزدحم. أخذته لطبيب نفسي للأطفال، وكان الجلسات تساعده كثيراً. كنت أجلس معه، أحتضنه، وأقول له دائماً
أنتِ يا ياسين لست قليل الأدب، ولست وحشاً. أنت طفل جميل ومحبوب. والغلط مش غلطك. الغلط كان في اللي أذاك، وأنا دائماً معاك، ولن أسمح لأي حد يأذيك أبداً.
وذات يوم، وبينما كنت أتأكد من إغلاق الأبواب والنوافذ قبل النوم، سمعت صوت ياسين يناديني من غرفته
ماما.. تعالي شوفي إيه اللي عملته!
دخلت الغرفة، فوجدته قد رسم لوحة جميلة.. أم وابنها يمسكان أيدي بعضهما، والشمس تشرق خلفهما. وفي الأسفل كتب بخطه الصغير أحبك يا ماما.. أنتِ بطلة حياتي.
دموعي انهمرت، وحضنته بقوة. لم أكن بطلة يا بني.. أنتِ من علمني معنى الشجاعة. أنتِ من جعلني أقف أمام الجميع وأقول كفى. أنتِ السبب في أنني أصبحت أقوى مما كنت أتخيل.
بعد ستة أشهر، اتصل بي أبي. صوته كان هادئاً ومتعباً
يا نسمة.. هل يمكنني رؤيتكِ؟ وحدي.. من غير ياسين.
التقينا في نفس المكان العام الذي اتفقنا فيه سابقاً. بدا كبيراً ومتعباً بشكل واضح. جلسنا بصمت لدقائق، ثم قال بصوت بالكاد يسمع
أعرف إن الغلط كان منا.. وأعرف إن الاعتذار مش كفاية. بس أريدكِ تعرفي إنني لم أنسَ الليلة دي أبداً. كل ليلة بتجيني عينك وبكاء ياسين في منامي. وعرفت إنك كنتِ محقة.. الحق أحياناً بيكون مؤلم، لكنه ضروري. والفيديو.. احتفظي به. لأنه ذكرى لنا جميعاً بحدود ما ينبغي أن لا نتجاوزها. وأعدكِ.. إن ياسين سيبقى في أمان دائماً منا.
لم أقل شيئاً. فقط مددت يدي ومسحت على كفه، ثم وقفت وودعته. لم نعد كما كنا.. لكننا تعلمنا جميعاً درساً لن ننساه أبداً.
الجزء السادس الحدود هي الحب الحقيقي
مرت السنين. كبر ياسين وأصبح فتى ذكياً وواثقاً من نفسه. لم ينسَ ما حدث له، لكنه لم يعد أسيراً له. كان يتحدث عنه أحياناً بكل هدوء كحدث مرّ في حياته، ويقول
الحمد لله يا ماما اللي كنتِ قوية عشانا. لو سكتتي، كانوا بيظنوا إن اللي عملوه صح.
علاقتي بأهلي أصبحت باردة وهادئة. نلتقي في الأعياد والمناسبات، نتبادل التحايا، ونبتسم من بعيد. لم أقطع صلة الرحم، لكنني وضعت حدوداً لا يمكن تجاوزها. علمت أن صلة الرحم لا تعني أن تسمح لهم بتمزيقك.. وأن الحب لا يعني أن تتخلى عن نفسك وعن أمن من تحب من أجلهم.
وذات يوم، وجدت ياسين يضع يده على كتفي ويقول لي بجدية
عندما أكبر يا ماما.. هساعد كل طفل يتعرض لأذى. عشان محدش يحس بالخۏف اللي حسيت به
أنا.
ابتسمتُ وفاضت عيناي بالدموع. لم أكن أدرك حينها أن ما فعلته لم يكن فقط حماية لابني.. بل كان بناءً لشخصية إنسان سينشر الخير والعدالة يوماً ما.
عرفت أخيراً أن أقوى سلاح تمتلكه الأم ليس الڠضب ولا الصوت المرتفع.. بل الحق والصمود والقدرة على وضع حدود تحمي بها أسرتها. وأن الكاميرا الصغيرة لم تسجل فقط چريمة حدثت في ليلة سوداء.. بل سجلت ولادة امرأة جديدة، وأم قوية، وحقيقة لا ټموت أن حق الطفل في الأمان هو حق مقدس، وأن من يحميه لا يحتاج لغير الحق ليكون أقوى من الجميع
تمت القصة بحمد الله