المليونير اتريق علي

لمحة نيوز

تماماً. من كان يأمرني بكل وقاحة، أصبح ينحني لي بكل احترام ومبالغ فيه، وهذا كان يزعجني أكثر من الإهانة نفسها.
ذات صباح، طلبت مني عمتي دولت أن أجلس معاها وتخرج لي صندوقاً خشبياً قديماً من درج مكتبها. فتحته بحذر، ووجدت فيه صوراً قديمة لأبويا وهو شاب، ورسائل مكتوبة بخط يده، ومفاتيح قديمة عليها ختم اسم استوديو الرقص.
أبوكِ ما توفى في الحريق بالصدفة يا ملك.. الحقيقة كانت مخفية عنكِ سنين طويلة. الاستوديو بتاعه كان على أرض مملوكة لعيلة المنشاوي، وهم كانوا عاوزين ياخدوه بالإكراه عشان يبنوا مكانه مول تجاري. أبويا رفض يبيع، ورفض يغادر المكان. وفي ليلة واحدة.. الحريق اندلع في كل أرجاء المكان، وكل الأوراق والملفات اختفت معاه.
قلبي اتقبض
يعني.. الحريق مكنش حاډث؟
التحقيقات وقتها اتقفلت بسرعة، وكل واحد كان بيتكلم اختفى فجأة. أبوكِ كان عنده وثائق تثبت إن الأرض ورثها عن أجداده، وأن العيلة دي مالهاش حق فيها. ولما راح.. اختفت الوثائق، والأرض بقت باسم جده سيف.
مسكت الصور بأيدي مرتعشة. كل ما مر بيا من فقر وشقا وذل.. كان ورائه سبب واضح. عائلتي لم تكن فقيرة ومعدمة.. لقد سُلب منا كل شيء!
الصندوق ده فيه نسخ من الأوراق الأصلية والوثائق اللي أبوكِ بعتها لي قبل الحريق بيوم واحد، وقالي لو حصل لي حاجة، خليها عندك لحد ما بنتي تكبر وتفهم. أنا خبيتها سنين طويلة خوفاً عليكِ.. والآن، أنتِ كبرتي، والحق راجع لصاحبه.
الجزء الرابع حين أصبح الخادم سيد الموقف
في اليوم التالي، جمعت عمتي دولت أفراد العائلة كلهم في الصالة الكبرى. وضعت الصندوق على الطاولة، وقالت بصوت واضح لا يقبل الجدال
أمام الجميع.. أعلن أن الأرض التي أقيم عليها مول المنشاوي التجاري واستوديو الرقص القديم.. ملك ل ملك ناصر الشربيني قانونياً. الوثائق موجودة، والشهود موجودون، والقانون في صفها. وأنا كرئيسة لمجلس إدارة مجموعة المنشاوي.. أعلن أن نصيبي الشخصي من أسهم الشركة سينتقل بالكامل لملك تعويضاً عما تعرض له والدها ولها طوال هذه السنين.
صمت قاټل ساد القاعة، ثم اڼفجر والد سيف
ده مستحيل! الأرض دي ورثناها من أجدادنا! مافيش أي وثائق تثبت كلامك!
الوثائق موثقة في الشهر العقاري من خمسين عاماً ردت بهدوء والمحامي جاهز لتسليمها للنيابة في خلال أربع وعشرين ساعة إن لم نصل لاتفاق عادل.
سيف وقف متوتراً جداً، وعيناه تتحركان بيني وبين الصندوق
يعني إيه؟ يعني كل ده بقت تملكي؟ وأنا كنت.. كنت..
كنت بتعاملين كأقل منكِ أكملتُ أنا بثبات والمشكلة مش إنك ما عرفتش مين أنا.. المشكلة إنك ما شفتش الإنسانية فيا حتى وأنت مش عارف من

أكون.
بدأت المفاوضات. لم أطلب تدميرهم ولا تشريدهم. طلبت فقط حقي عودة الأرض لي، وإنشاء مؤسسة تحمل اسم أبي لدعم الفن والفنانين، وتعويض مالي كافٍ لضمان مستقبل عائلتي. وافقوا جميعاً لأنهم لم يكن لديهم خيار آخر غير الڤضيحة العامة والمحاكمات الطويلة.
الجزء الخامس رقصة التانجو الأخيرة
بعد شهر، تم تسليمي أوراق ملكيتي رسمياً. لم أطرد أحداً من بيته، ولم أمنع أحداً من عمله. فقط استرديت ما كان لي، وبدأت أبني عليه من جديد. هدمت جزءاً من المول القديم وأسست فيه مركز ناصر الشربيني للفنون والرقص. افتتحته بحضور مئات الناس، ووسط الحضور كانت عمتي دولت، تبتسم بفخر وعيناها تلمعان بالدموع.
وفي ليلة الافتتاح، وبينما كنت أتحدث مع الضيوف، وجدت سيف يقف على أطراف القاعة، يبدو أصغر وأضعف من أي وقت مضى. اقترب مني بتردد، وقال بصوت خاڤت بالكاد أسمعه
أيمكنني أن أرقص معكِ التانجو.. هذه المرة؟ ليس لأنني أريد شيئاً.. ولكن فقط لأعتذر. وأعرف أن الاعتذار لا يكفي.. لكنه كل ما أملك.
فكرت للحظة، ثم مددت له يدي. عزفت الموسيقى ذاتها، ورقصنا معاً للمرة الثانية. لكن هذه المرة، لم يكن هناك سخرية ولا تحدٍ. كان هناك احترام حقيقي، واعتراف واضح بالخطأ. حين انتهت الرقصة، قال لي
شكراً لأنك لم ټنتقمي. لقد أعطيتني درساً لن أنساه مدى الحياة.
الاڼتقام يجعلنا مثل من أساء إلينا يا سيف. أما المغفرة.. فهي ما يبقينا بشراً. فقط تذكر دائماً الكرامة لا تعطى بالمال ولا تؤخذ بالإهانة. هي توجد فينا ونحن نحملها حيثما ذهبنا.
الجزء السادس الإرث الحقيقي
مرت ثلاث سنوات. أصبح مركز ناصر الشربيني منارة ثقافية في وسط البلد، يأتيه الشباب من كل المحافظات يتعلمون الفن بكل أنواعه. لم أصبح مليونيرة فجأة، لكنني أملك ما لا يملكه الأغنياء احترام الناس، عملاً نافعاً، وسلاماً داخلياً لا يُقدر بثمن.
عمتي دولت عاشت معي في جناح خاص بالمركز، وكأنها وجدت أخيراً المكان الذي تنتمي إليه. كانت تجلس يومياً تشاهد الشباب يرقصون ويتعلمون، وتقول لي بابتسامة هادئة
أبوكِ لو شافكِ دلوقتي.. كان فخوراً جداً بكِ.
وذات مساء، وبينما كنت أجلس في قاعة الرقص الكبرى، أطلعتُ على صورة أبي المعلقة على الحائط الكبير أمام المدخل. ابتسمتُ له وهمست
وصلت يا بابا. والرقص مستمر.. والكرامة رجعت لبيتها.
عرفت حينها أن أغلى ما ورثته لم يكن الأرض ولا المال.. بل الشغف بالجمال، واحترام الذات، والقدرة على المسامحة دون أن تنسى أو تتنازل عن حقك. فهذا هو الإرث الحقيقي الذي لا يمكن لأحد أن يسرقه 
تمت القصة بحمد الله

تم نسخ الرابط