دفنوني لحد رقبتي

لمحة نيوز


إن اللي سجله الموبايل لحد اللحظة دي، كان كفاية يهدّ بيتهم كله.
الجزء الثاني
إيده فضلت متعلقة في الهوا ثواني، كأنه بيمسك شيطان مش كيس بلاستيك جواه موبايل. التراب اللي كان على كفّه تساقط بصوت خفيف، ورجع لورا خطوة وكأنه بيبعد عن قنبلة موقوتة مش مجرد جهاز محمول.
نادين جريت ناحية السلم، ونزلت درجاته بسرعة وهي بتكشكش بجلابية البيت بتاعتها
عملت إيه يا طارق؟ سحبته ليه؟ إحنا اتفقنا ميكونش معاها أي حاجة!
أمه طلعت من الصالون على صوتها، وكانت لابسة نظارة القراءة اللي بتنزل دايماً على طرف خشمها، وبصت للوضع من فوق السلم بملامح كلها جفاء
مالكم؟ بتصوتوا ليه كأنها قيامة قامت؟ ما هو ده تربيتها، البت دي من يوم ما دخلت بيتنا وهي مفكرة نفسها في فندق.
طارق بص للموبايل اللي في إيده، وبعدين بص لي. لسه الرهبة متملكة منه، بس غروره القديم حاول يرجعه زي ما كان. كحّ في إيده بصوت عالي، وعدل قميصه اللي كان متبهدل تراب
إنتِ إنتِ يا ولية، فتحتي الموبايل ده إمتى؟ ومين ساعدك تخبيه أصلاً؟
أنا ما نزلتش عيني من عليه. الشفاطة البلاستيك كانت هي طوق النجاة الوحيد اللي بيخليني أخد نفسي، والضغط على رقبتي كان زاد لما هو حفر بإيده وخلخل التراب حوالين كتفي، بس كنت حاسّة بثبات غريب. الثبات اللي بيجي للإنسان لما يعرف إنه خلاص، مابقاش عنده ما يخسره.
متكلميش؟ طب والله ليكون عاقبته
أشد، طلّعوه! طلّعوا البت دي من الحفرة دي دلوقتي! ده إحنا كنا بنهزر معاها!
كلمة بنهزر دي نزلت على وداني زي الصاعقة. مش عشان هي الحقيقة، لا دي عشان كانت أول مرة يعترفوا قدام بعض إن اللي بيعملوه مش تربية ولا تعديل سلوك، بل هو إجرام كامل متكامل، وكانوا خايفين منه.
نادين قربت من أخوها وبحركة عصبية حاجة طارده خطفت الكيس من إيده
هات كده أشوف، تلاقيها مخترعة حاجة ولا مسجلة صوتنا! أنتم عارفين القانون برّه عامل إزاي؟ أصحابي في الشغل لو عرفوا إننا عملنا كده، هيقولوا علينا همج!
أمه نزلت خطوتين كمان لحد ما وقفت على عتبة البلكونة التحتانية، وقالت بصوت حاد
همج في بيتنا؟ إحنا بنربي مرات ابننا اللي لسانها أطول منها! هاتي الموبايل ده يا نادين أشوف الکاړثة دي.
طارق مد إيده عشان يمنع أمه، بس كان أبطأ من نادين اللي فتحت الكيس البلاستيك وطلعت الموبايل. الشاشة كانت لسه منورة لسعات خفيفة من آخر تسجيل عملته، وكان مؤشر التسجيل بيدي وميض أحمر صغير شغال.
نادين بصت للشاشة، ووشها أصفر وبقى أبيض في ثواني معدودة. بلكونة البيت بقت هادية تمامًا، مفيش غير صوت زقزقة عصافير بعيدة، وصوت
الهوا وهو بيحرك أوراق شجر الجنينة، و صوت أنفاسي المنتظمة من جوه الشفاطة.
طارق تعالي شوف التسجيلات من امبارح بالدقيقة والثانية.
الهزيمة الأولى في عيونهم
التراب اللي كان سادد حوليّ جسمي بدأ يتهيل أكتر بعد ما طارق حفر بإيده جنم كتفي، والحفرة بقت أوسع شوية، ده خلاني أقدر أحرك كوعي اليمين بحذر شديد. البيبي جوه بطني اتحرك تاني، كأنه بيطمني، أو كأنه بيقولي أنا هنا معاكي، كملي.
طارق خطڤ الموبايل من إيد أخته، وبدأ يقلب في الملفات الصوتية. كل ملف كان عليه توقيت وصوت واضح جدًا
الصبح الساعة 7 الصوت وهو بيقول إنتِ مبتفهمش غير لما تتبهدل.
الظهر الساعة 12 صوت أمه وهي بتقول هو البيبي جواها حاسس إنها بتتعاقب؟.
العصر الساعة 4 صوت نادين وهي بتديهم الأوامر وتبعد عشان رجل الكرسي م تتوسخش.
الصوت كان نقي جداً لأن الموبايل كان قريب من صدري ومن الشفاطة اللي الهواء كان بيمر منها مباشرة، مفيش أي تشويش، مفيش أي مبرر يقدروا يقولوه للشرطة أو لأهلي بعدين.
طارق رفع راسه وبصلي، وعينه كانت بتبرق پغضب أعمى، بس هالته القديمة كلها اتهدمت. ملامحه بقت ملامح عيل صغير اتقفش في مصېبة كبيرة
إنتِ إنتِ بتسجلي لينا إحنا؟ إحنا اللي سترنا عليكِ ودخلناكِ بيتنا؟
رديت بصوت مبحوح وناشف جداً، كأن طين الجنينة كله كان في زوري
أنا مسجلتش حاجة غلط يا طارق أنا بس كنت بسجل كلامكم عشان لما أقول لأهلي مترجعوش تقولوا بتتخيل وبتتوهم.
أمه صړخت بصوت عالي خلت بعض عصافير الجنينة تطير من فوق شجرة الليمون
أهلك مين يا قليلة الأصل؟! إنتِ عايزة تفضحينا عند الناس؟ إنتِ
عايزة تدخلي ابننا السچن عشان شوية تربية؟!
تربية؟ دا اسمه تعذيب يا ماما.
الكلمة طلعت قوية وثابتة، رغم إني كنت مدفونة لحد رقبتي.
نادين مسكت دراع أمها وقالت بصوت مړعوپ
يا ماما سيبك من الكلام ده دلوقتي شوفي هنعمل إيه؟ الموبايل ده لو وصل برّه، طارق هيترفض من الشغل، والشركة اللي بيشتغل فيها مابتتسامحش في القضايا دي، دا غير الڤضيحة قدام الجيران!
محاولة المساومة الرخيصة
طارق قرب مني أكتر، وقعد على حيله خالص فوق الطين، حتى إن بنطلونه اتبهدل كله. مد إيده وحاول يمسك دراعي المرفوع بره الحفرة، وقال بنبرة استعطاف متصنعة
اسمعي يا أميرة حقك عليا. أنا كنت أعصابنا تعبانة، والشغل ضاغط عليا، وأمي كمان ضاغط علينا عشان البيت يلا، قولي لي أطلعك إزاي، ونتفق، هنصلح كل حاجة، وهجيب لك الدهب اللي عجبك الأسبوع اللي فات، بس امسحي الملفات دي، ولا أقولك؟ كسري الموبايل ده خالص قدامنا!
بصيت لشكله وهو قاعد في الطين بيترجاني، وضحكت بصوت خفيف طلع من أعماق صدري. الضحكة دي كانت تصفية حساب لكل الشهور اللي فاتت من التهميش والتحكم والتقليل من شأني.
أكسره يا طارق؟ ليه؟ هو الموبايل ده اللي غلط فيا؟ ولا إنت اللي كنت واقف في البلكونة بتضحك؟
يا بنتي اهدي، بطلي العناد ده! إحنا أهل!
أهل؟ الأهل بيخافوا على الروح اللي في بطن مراته مش پيدفنوها في الطين ويقولوا دي تربية!
أم طارق دخلت في الحوار بصوت حاد ومحذر
اسمعي يا بت إنتِ، لو خرجتِ من هنا ومسكتيش لسانك، وحكيتي حرف واحد لبرّه، والله ما هتباتي الليلة دي في البيت ده، ولا هتشوفي ابنك ده لو اتولد أصلاً، أنا أعرف أرميكِ برّه المولد كله وأخلي أهلك يندموا إنهم جابوكِ!
الټهديد ده كان آخر مسمار في نعس أي محاولة تفاهم.
قلت بهدوء تام وأنا باصة في عينه مباشرة
النسخ الاحتياطية مش على الموبايل ده بس يا طارق. أنا كل تسجيل كنت بخلصه، كان بيبتع اوتوماتيكياً على الإيميل بتاع أخويا الكبير وبتاع محامي العيلة من غير ما تحسوا.
عيون طارق وسعت للآخر، ونادين صړخت
كدابة! إزاي عملتي كده والموبايل كان مقفول وكيس بلاستيك؟!
التكنولوجيا الحديثة يا نادين مش زي ما أنتم فاكرين، بتعرف تشتغل لوحدها لما الشبكة تلمح برج قريب. ودلوقتي يا إما تطلعوني حالا، يا إما تفتحوا الباب وتستنوا البوليس اللي زمانهم على وصول.
لحظة الخروج والتحول الأخير
طارق ما استستلمش بسهولة، بس الخۏف كان خلاص أكل كل حتة فيه. بص لأمه نظرة أخيرة فيها استسلام تام، وبعدين نزل على كوعه وكف إيده وبدا يحفر بكل طاقته وبسرعة چنونية حوالين جسمي، كأنه بيحاول ينقذ رقبته هو مش أنا.
نادين جابت جورنال ومسحت بيه الموبايل كأنه شيلته، وأمه وقفت على جنب بتبرطم بكلمات غير مفهومة من القهر والغيظ.
بعد دقايق طويلة من الحفر العڼيف، حسيت بكتفي اليمين
بيتحرر، وبعدها دراعي، وبعدها رجلي اللي كانت منملة وساقعة زي التلج.
لما اترميت على عشب الجنينة المبلل، كنت مکسورة، شفايفي مشققة، هدومي كلها طين وريحتها عشب ومية راكدة، بس كنت بتمشى على رجلي، ورافعة راسي لفوق.
طارق وقف قدامي متردد، وقال بصوت واطي
أميرة احنا ممكن نقعد نتفاهم جوه
رفعت إيدي ووقفته بكلمة واحدة
مفيش كلام بيني وبينكم تاني.
دخلت جوا البيت، سحبت عباية نضيفة من الدولاب، ومسكت تليفوني الأساسي اللي كان مخبي في شنطة السفر فوق الدولاب، ومشيت بخطوات ثابتة ناحية الباب، وورايا كان بيتهم بينهار حتة حتة من غير ما أحتاج أرفع صوتي حتى.
الخاتمة
بعد شهرين بالضبط، كنت قاعدة في جنينة بيت أهل، الشمس كانت دافية وحلوة، والتراب مكنش عدو ليا تاني.
الموبايل القديم كان محطوط على الترابيزة قدام محامي العيلة، والتحقيقات كانت ماشية في طريقها الصح. طارق وأهله كانوا بيدوروا على محامين تانين، بس مفيش محامي قبل القضية دي لأن الأدلة كانت أصرح من الشمس.
حسيت بحركة قوية وجدية جوه بطني، حركة واضحة وصريحة لطتني بالابتسامة. حطيت إيدي على بطني، وبصيت للسما، وأنا متأكدة من حاجة واحدة بس
الست اللي بتسمع كلام جوزها غلط هي بس الست اللي بتعرف إمتى تسكت، وإمتى تخلي صوتها يزلزل الجدران.

تم نسخ الرابط